إستراتیجیة إیران تجاه الدول العربیة

لقد مرّت العلاقات الإیرانیة العربیة بمحطات ومنعرجات کثیرة وشهدت تغییرات، وصراعات، وأزمات وحتی حروباً شرسة. فبعد إنتصار الثورة الإسلامیة، تکوّنت العلاقات الإیرانیة العربیة وعلاقاتها مع العراق بوجه خاص علی أساس التهدید والوعید. وذلک سببه أنّ إیران في عصر الشاه کانت مرتمیة في أحضان الغرب بقیادة الولایات المتحدة الأمریکیة ولم تندمج مع حاضنتها الإسلامیة وفي عهد إصطفافات الحرب الباردة کانت جزء من المنظومة الغربیة المعادیة للإتحاد السوفیاتي السابق، بینما کان العراق في الکتلة الشرقیة بقیادة الإتحاد السوفیاتي.

 

وکانت تتولّی إیران في تلک الحقبة مسؤولیة إقلیمیة وهي تتلخّص في التصدي للمد السوفیاتي نحو المناطق الجنوبیة،  وفي المقابل کان العراق یسعی للمدّ السوفیاتي وإنضمام دول المنطقة إلی الکتلة الشرقیة. و بهذا السبب کان الصراع الإقلیمي بین طهران وبغداد قائماً علی قدم و ساق بحیث تشهد العاصمتان بین الفینة والأخری إشتباکات ومناوشات حدودیة في ما بینها. وهذه المواجهات امتدت حتی انتصار الثورة الإسلامیة. لکن إنتصار الثورة الإسلامیة غیّر المعادلات الإقلیمیة بالکامل بحیث سمّاه الإستراتیجیون الغربیون بالتغییرات الجذریة.

 

لکن هل إنتهی الصراع العربي الإیراني؟ وهل انتهت الإزمات في العلاقات الإیرانیة العربیة؟ الجواب بالتأکید هو کلّا. بل تغیّرت ماهیة هذا الصراع وانضمت دول عربیة أخری إلی ساحة الصراع العربي الإیراني وناصبت العداء للجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة. وقد تمثّل هذا العداء بکافة تفاصیله في الحرب العراقیة علی إیران التي امتد أمدها إلی ثماني سنوات، إذ شهدنا کیف الدول العربیة باستثناء ثلاثة دول عضو الجامعة العربیة، إنضمت إلی العراق وساندت الحکومة البعثیة ضد إیران.

 

و لم تکن الأحداث الجسام مثل إنتهاء الحرب المفروضة وإنهیار الإتحاد السوفیاتي وإنتهاء الحرب الباردة، کفیلة بتغییر المعدلات في العلاقات الإیرانیة العربیة. ومنذ ذلک الحین وبسبب إنعدام أحدی أرکان توازن القوی علی الساحة الدولیة، تغیّرت بوصلة سیاسات الدول العربیة ذات المیول القومیة من صراع إیراني عربي ناجم عن إنضمام کل من طرفي الصراع إلی الکتلة الغربیة أو الشرقیة، إلی صراع إقلیمي وقضایا دینیة وطائفیة.

 

وقد واصلت إیران الإسلامیة و بفضل نفوذها الروحي في المنطقة سیاسة العداء للصهیونیة و لذلک بذلت بعض الدول العربیة العظمی مثل السعودیة کل ما بوسعها من أجل الحفاظ علی دورها الإقلیمي و التصدي للنفوذ الإیراني المتزاید. و إنّ الغزو الأمریکي للعراق عام 2003 لم ینه هذه الحالة القائمة فحسب بل أتاح الفرصة لإیران أن تتمدد و تتوغّل جغرافیاً وتستفید من هذا الإنسجام الجغرافي حتی سواحل البحر الأبیض المتوسط و الحدود التاریخیة لفلسطین و تجبر السعودیة إلی إقامة تحالفات إقلیمیة و عالمیة من أجل مواجهة تنامي النفوذ الإیراني في الفضاء العربي. و السؤال الملح هنا هو أنّ هذه الحالة سوف تبقی إلی الأبد؟ و الرد هو کلا. و السؤال التالي هو إذا کان هذا الصراع عابراً و لم یبقی إلی الأبد إذن ما هو الحل المناسب لإنهاء هذا الصراع؟

 

هذه القرائة العابرة تحاول الردّ علی هذه الأسئلة الهامّة.

 

1-تتکوّن الجامعة العربیة من 22 عضواً و جمعیة 240 ملیون نسمة. و تمتد جغرافیا العالم العربي من جنوب غربي آسیا حتی شمال القارة الإفریقیة. و ما یقارب نصف دول العالم العربي في آسیا و النصف الآخر في أفریقیا. لکن ما یقارب سبعین بالمئة من جمعیة العالم العربي تعیش في الدول العربیة الإفریقیة.

 

2-لم یکن العالم العربي یتمتع بانسجام و تضامن و لم یکن کلاً واحداً، بل توجد فیه الکثیر من التیارات و النزعات المختلفة و المتباینة في ما بینها، بل أنّ علاقاتها الدولیة تقوم علی أساس الإصطفافات العالمیة.

 

3- إنّ منظومة العالم العربي التي تحمل عنوان الجامعة العربیة لا حول لها و لا قوّة و تأثیرها علی الدول العربیة ضیّق النطاق جداً و هذه الجامعة علی الرغم من تاریخها المدید (أکثر من نصف قرن) تعاني من التشرذم و التفسخ بشکل کبیر. و لم تشهد الساحة العربیة باستثناء الإتحاد حول القضیة الفلسطینیة، أيّ إتحاد و توحید صفوف في القضایا الإقلیمیة و العالمیة. و هناک مثل یقال حول التشرذم و التشتت العربي و هو أنّ العرب اتحدوا علی أن لا یتحدوا.

 

4-ما یقارب 10 بالمئة تسیطر علی 90 بالمئة من ثروات الدول العربیة و الکثیر من البلدان العربیة تعاني من الفقر المدقع.

 

5- قبل الغزو الأمریکي للعراق عام 2003 و قبل أن تهبّ ریاح الربیع العربي منذ عام 2010 فصاعداً کانت تتمتع أربع دول عربیة بثقل سیاسي لا یُستهان به و في طلیعتها مصر و تلیها سوریا، و العراق و السعودیة. لکن إحتلال العراق عام 2003 و الأحداث التي ترتبت علی الربیع العربي عام 2010 دکتّ أرکان القوی العربیة الأربعة و خرجت کل من العراق و سوریا و مصر من ساحة التأثیر علی العالم العربي و فقدت ثقلها السیاسي و التاریخي و نجت السعودیة من هذه العواصف و الإزمات الطاحنة.

 

6- إنّ هذه الأحداث التي شهدنا العالم العربي کانت لصالح إیران من حیث تقلص عناصر التهدید. لکنّها قسمت التنافس الإقلیمي بین إیران و السعودیة. و لهذا السبب الصراع و الأجواء المشحونة في علاقات طهران و الریاض عرف بأنّه صراع بین قوتین سلمتا من الأزمات الطاحنة التي عصفت بالمنطقة.

 

7-و قد سارعت ایران في توسیع نطاق توغلها و بدأت تبحث عن موطئ قدم إثر حدوث فراغ قوّة ناجم عن غزو العراق و إحتلاله و ما عرف بالربیع االعربي و وسعت من توغلها في المنطقة و المناطق الإستراتیجیة و أصبحت علی مشارف قوتین إقلیمیتین. و من جانب أصبح لها حضور قوي في سوریا ما أثارت غضب إسرائیل و من جانب آخر تمکنت من فرض حضورها في شبه الجزیرة العربیة و في الیمن بالتحدید من خلال إیجاد موطئ قدم في الحدود الیمنیة السعودیة عبر النفوذ في جماعة الحوثي و أثارت غضب الریاض من الناحیة الأمنیة. لذلک إضطرت القوتین الإقلیمیتین أي إسرائیل و السعودیة من إیجاد إتحاد بینهما من أجل التصدي للمد الإیراني و نفوذها في المنطقة.

 

8-و فضلاً عن الأنظمة العربیة المحافظة، نری الأنظمة القومیة مثل مصر و الجزائر و أیضاً النخبة السیاسیة في العلام العربي کانت نتظر إلی النفوذ الإیراني بمنظر الریبة و الشک و التخوّف.

 

طرق تقلیص الصراع الإقلیمي

 

لقد تستطیع الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة أن تبني علاقاتها علی أساس تقلیص الصراع علی ثلاثة مستویات:

 

المستوی الأوّل. إذا تخلینا الشرق الأوسط مجسماً صغیراً من العالم سوف نعرف أنّ نفوذ القوی العالمیة في بعض المناطق أمر لا مناص منه. و أنّ إیران و السعودیة بصفتهما قوتان إقلیمیتان کبیرتان یجب أن یتوصلا إلی إتفاق علی مناطق النفوذ. و هذه النقطة لها أهمیة حیویة خاصة بالنسبة إلی إیران. و في غیر هذه الحال سوف تواجه إیران الکثیر من التحدیات و المشاکل بسبب التوغل الإسرائیلي السعودي و اللوبیات التي تحظیان بها في العالم و سوف یکلّف هذا الصراع إیران الکثیر من المشاکل. إذن یجب علی إیران أن تتصدی لتقارب السعودیة إلی إسرائیل و الإرتماء في أحضان الخصم من أجل تشکل کنله موحّدة. و الإتفاق الغیر مکتوب بین إیران و السعودیة حول حلّ الأزمة اللبنانیة و تعیین رئیس الجمهوریة الذي شهدناه في الشهور الأخیرة یعتبر أنموذحاً مناسباً للتعاون الإیراني السعودي و التفاهم حول قضایا المنطقة و إقصاء إسرائیل من دائرة النفوذ. إنّ محاولات الریاض من أجل إیجاد ناتو عربي في الشرق الأوسط عن طریق تعبئة 17 دولة عربیة و إسلامیة الذي شهدناه في الزیارة التي قام بها الرئیس الأرمیکي دونالد ترامب للریاض في الأیام الأخیرة و عقد إتفاقیات حول السلاح لم یشهد لها مثیل في التاریخ و قد وصلت قیمتها إلی 110 ملیار دولار لا معنی لها سوی محاولة السعودیة من أجل إیجاد جبهة في المنطقة من أجل مواجهة إیران.

 

المستوی الثاني. توسیع الدبلوماسیة العامة لإیران عبر تسهیل سفر المواطنین العرب إلی إیران بصفة سائح أمر بالغ الضرورة. و هذا الموضوع کان ناجعاً بالنسبة إلی المواطنین العراقیین علی الرغم من الجذور النفسیة الناجمة عن الحرب المفروضة و أتی بنتائج إیجابیة. والآن وحسب الإحصائیات تحولت إیران إلی قبلة العراقیین للعلاج والسیاحة الطبیة وسوف تأخذ قصبة السبق من ترکیا في هذا المجال. إن زیارة المواطنین العرب إلی إیران و إیجاد جسور التواصل و الإختلاط الدیني و غیره و أیضاً مشاهدة التطور الهائل الذي حققته إیران من جانب سوف تحبط سیاسیة شیطنة إیران و إستعدائها و من جانب آخر تمنع الدول العربیة المحایدة من الإنضمام إلی الجبهة المعادیة لإیران. إما الفائدة الإقتصادیة  من تسهیل سفر المواطنین العرب إلی إیران فقد تتطلب مجالاً آخر لأنّها کثیرة جداً.

 

المستوی الثالث. یجب علی ایران أن توسّع علاقاتها مع المؤسسات و الأنظمة العربیة الرسمیة مثل الجامعة العربیة التي تتخذ من العاصمة المصریة مقرّاً لها و تقیم علاقاتها عبر قنوات الإتصال الرسمیة. وعلی الرغم من أنّ الجامعة العربیة کما قلنا سلفاً لیس لها تأثیر یُذکر في هذا المجال، لکن یجب أن لا ننسی أن العرب بسبب المیول العرقیة والقومیة یمنحون مثل هذه المؤسسات العربیة مثل الجامعة العربیة مکانة مرموقة ویعتبرونها المقرّ الرئیس للأمّة العربیة وأیقونة إتحادها.                 


الکاتب

سید حسین موسوي

الدکتور سید حسین موسوي رئیس مرکز الدراسات الإستراتیجیة للشرق الأوسط. الدکتور موسوي خبیر وباحث في شؤون الشرق الأوسط.